حسن الأمين

172

مستدركات أعيان الشيعة

وليس ترضى الليالي في تصرفها إلا إذا مزجت صابا بقنديد والأيام لن تغفل عن أذيتنا ، وكر الجديدين يبسط لنا الحبل حينا ويقبضه عنا حينا آخر : وللحديدين من طول ومن قصر حبلان منقبض عنا ومنبسط يرى بأم عينيه تقلبات الأيام ، وتغييرات الدهر ، ويعرف ما جبل عليه الناس من لؤم الطباع ، ونكرانهم للمعروف ، ويحز في نفسه هذا ، فيقول : ويا رب من تعليه وهو منافس وتسدي إليه العرف وهو كنود وهذه المعاني التي يذكر فيها تقلبات الأيام وتصرفات القدر ، تتردد كثيرا في رثائه فتصبغه بصبغة الزاهد بالحياة ، العازف عن ملاهيها ومفاتنها ، الضارب في التقوى بأوفر سهم ، وأنت لا شك واجده في هذه المرثيات الثلاث واعظا زاهدا ، وحكيما يغلب عليه التأمل الفكري ببساطته وبعده عن التعقيد الفلسفي . اسمع إليه يدعو الناس إلى أن لا ينتظروا من هذا الدهر المتقلب ، وهذه الأيام التي تحمل معها النكد ، خيرا وذلك حيث يقول : من يرجو زمانا دائما نعرف البأساء منه والنكد فإذا ما كدر العيش نما وإذا ما طيب الزاد نفد فلقد ذكر من كان سها ولقد نبه من كان رقد منتض نصلا إذا شاء مضى رائش سهما إذا شاء قصد وهي الأيام لا يأمنها حازم يأخذ من يوم لغد أن تسلنا ففريق ظاعن وليالينا بنا عيس تخد فلقد أسرع ركب لم يعج ولقد أدبر يوم لم يعد ونحن لا نرى في هذه الأبيات المصطبغة بالزهد ، والمكتسية حكمة ، أي أثر للعملية العقلية ، أو التفكير الفلسفي ، إنما هي تجارب شخصية ، وتاملات واعية ، وإدراك لواقع الحياة . وفي مرثيته لأم جعفر كثير من الحكم البسيطة التي تروقنا بأسلوبها وبساطتها ، وهي بمجملها تصور لنا الشاعر زاهدا ينصرف عن الحياة وزخارفها ، ويعزف عن لذائذها ، أو كأنه ذلك الواعظ الذي ينبه الناس لما هم فيه سادرون ، حيث يقول : انا وفي آمال أنفسنا طول وفي أعمارنا قصر لنرى بأعيننا مصارعنا لو كانت الألباب تعتبر مما دهانا أن حاضرنا أجفاننا والغائب الفكر وجميل به أن يلوم أولئك الذين يرون بأعينهم تصرفات الأيام ثم لا يفكرون ، كان على قلوب أقفالها ، تبصر أعينهم ، ولا تعي أفئدتهم : فإذا تدبرنا جوارحنا فاكلهن العين والنظر لو كان للألباب ممتحن ما عد منها السمع والبصر أي الحياة ألذ عيشتها من بعد علمي أننا بشر خرست لعمري الله ألسننا لما تكلم فوقنا القدر هل ينفعني عز ذي يمن وحجوله واليمن والغرر ها أنها كأس بشعت بها لا ملجا منها ولا وزر فانبذوا شيجا وارم ذا شطب لا البيض نافعة ولا السمر دنيا تجمعنا وأنفسنا شذر على أحكامها مذر ولكل سابق حلبة أمد ولكل وارد نهلة صدر وحدود تعمير المعمر أن يسمو صعودا ثم ينحدر والسيف يبلى وهو صاعقة وتنال منه إلهام والقصر والمرء كالظل المديد ضحى والفيء يحسره فينحسر ولقد حلبت الدهر أشطره فالأعذبان الصاب والصبر وفي قصيدة أخرى يرثي فيها أم جعفر أيضا حيث تبدو عليه سيماء الزهاد ، ووقار الحكماء ، وخبرة ذوي التجربة ، يقول : إلا كل آت قريب المدى وكل حياة إلى منتهى وما غر نفسا سوى نفسها وعمر الفتى من أماني الفتى فأقصر في العين من لفتة وأسرع في السمع من ذا ولا ولم أر كالمرء وهو اللبيب يرى ملء عينيه ما لا يرى وليس النواظر إلا القلوب وأما العيون ففيها العمى ومن لي بمثل سلاح الزمان فاسطو عليه إذا ما سطا يجد بنا وهو رسل العنان ويدركنا وهو داني الخطى برى أسهما فنبا ما نبا فلم يبق إلا ارتهاف الظبي تراش فترمي فتنمي فلا تحيد وتصمي ولا تدري وهذه الحكم في قالبها الجميل ، وأسلوبها السلس السهل ، ومعانيها البسيطة ، تبدو متزنة وهينة لأن بها خبرة مكتسبة من الحياة ، وتجارب مأخوذة من الحياة ، وتجارب مأخوذة من الأيام لا أثر فيها لعمل الفكر ، وكأني بها وقد خرجت من أعماق أحاسيسه ، وصدرت عن قلبه الوجل أمام تقلبات هذه الأيام ، فأخذت من جمال الشعور ، وجمال الأسلوب ، وسمو المعنى مع بساطته ، شيئا كثيرا . وهذه الحكمة لا نراها كثيرة في شعره ، بل هي قليلة جدا ، ولولا هذه المراثي الثلاث لما ظفرنا بهذا القدر من الحكم الجميلة . الوصف لم ينصرف ابن هاني لذاته فيصور أحاسيسه ، ويتحث عن وجدانياته ، لكنه سلك مسلكا ابتعد به عن نفسه فلم يفكر بها إلا لمحا ، وهو كشاعر تطرق إلى فنون شعرية مختلفة بيد أنها لم تكن مستقلة ، ومن هذه الفنون الوصف ، ونحن نعجب كثيرا إذ لا نرى أثرا للطبيعة في شعره حتى نحس أنه نسي الطبيعة الأندلسية الجميلة أو أنها لم تحرك فيه أوتار نفسه ، فلم يكن لها حتى انعكاسات بسيطة في شعره . ويبدو أن طبيعة إفريقية لم تثر اهتمامه ، ولم تستهوه بجمالها ، وهو لم يفتش عن الجمال في الطبيعة ، وفيها كل الجمال الذي يشعر به ذو الحساسية المرهفة ، أما إذا أراد أن يصف ما له علاقة بالممدوح ، كمجلس أنس ، أو زهرة مثلا ، جاء وصفه متكلفا متعملا . وقد اضطر بحكم المدح أن يصف عظمة ممدوحه ، فيصف جيشه وخيله وأسطوله ، وأجاد كل الإجادة في وصف الخيل ، بشكل جعلنا نحس أنه مغرم باصائل الجياد ، كثير الاعجاب بجمال خلقها ، وحسن منظرها ، ذلك أنه اندفع في وصفها وكأنه يصف شيئا عزيزا عليه ، يعجبه منها ألوانها وزينتها ، سيرها وركضها ، وكأنها في كل حركة من حركاتها تحرك وترا في نفسه وتلمس شعورا في قلبه ، فتشعر وكأنه عاشق لها ، ولوع بها ، وهو لا ينسى أن يتحدث عن أولئك الذين امتطوا صهواتها ، وجردوا سيوفهم ، واشرعوا رماحهم ، وتهيئوا للزحف ، وهكذا يصف الجيش . وهو قد رأى أسطول المعز بعدده وعدته ، وشاهد سيره في البحر فوصفه أيضا ، وتصور معارك المسلمين مع الروم ، فتحدث عن ذلك فكان له وصف المعارك